سميح دغيم

مقدمة 21

موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي

عليه في عهده كالهيئة الفلكية اليونانية وغيرها » . أضف إلى ذلك اشتمال « المفاتيح » على مباحث لغوية وكلامية وفلسفية . والحقيقة أن الإمام قد تنبّه إلى خروجه عن المألوف ، وإلى أنه يختط طريقة جديدة ترتكز إلى مفهوم خاص للتفسير ومنزلته في العلوم الدينية . وهو كان يدرك بأن الإكثار من علم الهيئة والنجوم في تفسير القرآن هو على خلاف المعتاد ، ويرد على الذين يعيبون عليه طريقته فيقول : « إنك إذا تأمّلت في كتاب اللّه حق التأمّل لعرفت فساد ما ذكرته » . وهو يرى أن الاعتقاد في شرف القرآن يكون بطريق الوقوف على دقائقه على سبيل التفصيل والتعيين . لقد توقّع الإمام كل ذلك الهجوم عليه ، ودافع عن طريقته الجديدة بانتقاد الذين قصروا التفسير على النواحي اللغوية والأخبار ، وأغفلوا ما في كتاب اللّه من علم هيئة ونجوم وغيرها للاستدلال على العلم والقدرة الإلهيتين ، وهو يقول « إنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب - القرآن - لهذه الفوائد والأسرار ، لا لتكثير النحو الغريب والاشتقاقات الخالية عن الفوائد والحكايات الفاسدة » . عمل الإمام بتأليف كتابه هذا على فترات متقطّعة ، وكان قد أنهى قسما كبيرا منه قبل أن ينتقل للاستقرار في « هراة » . ويمكننا تقدير فترة التأليف بما يقارب الثماني سنوات من 595 ه إلى 603 ه ، أي أنه انتهى من تمام الكتاب قبل موته بثلاث سنوات . لن نخوض كثيرا في صحّة الكلام حول ما إذا كان الإمام قد أكمل تفسيره أم لا ، وحول القول بأن بعض تلامذته قد أكمله ، فإن المهم أن الجميع يجمعون على وجود نسق فكري محدّد وواحد ، ينتظم فيه هذا الكتاب بالرغم من وجود بعض المؤشّرات التي تدلّ على إقفالات كلامية مغايرة لنفس الرازي في الكتابة والتأليف . يعتبر الإمام الرازي أن القرآن معجزة النبي محمد الأهم ، وأن الإيمان بالله هو أصل الإيمان بالشرائع « فمن لا يعرف اللّه استحال أن يعرف نبيّا أو كتابا » . وقد أعطي الإنسان القوة العقلية النظرية ليعرف بها الحق لذاته والخير لأجل العمل به . والمتأمّل في القرآن يجد فيه من الدلائل العقلية على التوحيد والحشر والنبوّة وشرح صفات اللّه تعالى ما لا يجده في شيء من الكتب . وفيه أيضا الشرائع المطابقة للعقول والموافقة لها . وهكذا يكون القرآن هداية وضمانة لصدق ما في العقول ، وهو النور الذي يبيّن الطريق إلى الحق . لذلك كان لا بدّ من البحث عمّا في العقل السليم بضوء نور الوحي . فالإنسان خلق لأجل المعرفة ، وهو مدعوّ للتفكّر والتدبّر والتروّي لطلب